ابن أبي العز الحنفي

30

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

مُحْدَثَةٌ ؟ فَلَمْ يُثْبِتُوا رَبَّيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ . وَأَمَّا النَّصَارَى الْقَائِلُونَ بِالتَّثْلِيثِ ، فَإِنِّهَمْ لَمْ يُثْبِتُوا لِلْعَالَمِ ثَلَاثَةَ أَرْبَابٍ يَنْفَصِلُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، بَلْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ صَانِعَ الْعَالَمِ وَاحِدٌ ، وَيَقُولُونَ : بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ إِلَهٌ وَاحِدٌ . وَقَوْلُهُمْ فِي التَّثْلِيثِ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ ، وَقَوْلُهُمْ فِي الْحُلُولِ أَفْسَدُ مِنْهُ . وَلِهَذَا كَانُوا مُضْطَرِبِينَ فِي فَهْمِهِ ، وَفِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ ، لَا يَكَادُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ ، وَلَا يَكَادُ اثْنَانِ يَتَّفِقَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : هُوَ وَاحِدٌ بِالذَّاتِ ، ثَلَاثَةٌ بِالْأُقْنُومِ ! وَالْأَقَانِيمُ يُفَسِّرُونَهَا تَارَةً بِالْخَوَاصِّ ، وَتَارَةً بِالصِّفَاتِ ، وَتَارَةً بِالْأَشْخَاصِ . وَقَدْ فَطَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ . وَبالْجُمْلَةِ فَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِإِثْبَاتِ خَالِقَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا : أَنَّهُ لَيْسَ فِي الطَّوَائِفِ مَنْ يُثْبِتُ لِلْعَالَمِ صَانِعَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ وَالْفَلْسَفَةِ تَعِبُوا فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلُوبِ وَتَقْرِيرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ تَقْرِيرِ هَذَا بِالْعَقْلِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يُتَلَقَّى ( 1 ) مِنَ السَّمْعِ . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ إِثْبَاتُهُ بِدَلِيلِ التَّمَانُعِ ، وَهُوَ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ فَعِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا تَحْرِيكَ جِسْمٍ وَآخَرُ تَسْكِينَهُ ، أَوْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا إِحْيَاءَهُ وَالْآخَرُ إِمَاتَتَهُ : فَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مُرَادُهُمَا ، أَوْ مُرَادُ أَحَدِهِمَا ، أَوْ لَا يَحْصُلُ مُرَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَالْأَوَّلُ مُمْتَنَعٌ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ، وَالثَّالِثُ مُمْتَنَعٌ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الْجِسْمِ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ ، وَهُوَ مُمْتَنَعٌ ، وَيَسْتَلْزِمُ أَيْضًا عَجْزَ كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَالْعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَهًا ، وَإِذَا حَصَلَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، كَانَ هَذَا هُوَ الْإِلَهَ الْقَادِرَ ، وَالْآخَرُ عَاجِزًا لَا يَصْلُحُ لِلْإِلَهِيَّةِ ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ .

--> ( 1 ) في المطبوعة « يلتقي » .